صالح الخريجي
06-07-2006, 02:13 PM
جامعة الفيصل" والفكر الاستباقي:
الأول أموت وأحيا به
قينان الغامدي
منذ أسبوعين تقريباً اقتطعت ورقة من صحيفة الرياض وقدمتها لابني الذي يدرس بالصف الثاني الثانوي "علمي". وقلت له "مبروك" الأمير خالد الفيصل يسلم عليك ويقول إنك ابنه. ترديد اسم الأمير في بيتنا ليس غريباً، ولذلك فقد نظر ابني في أحد وجهي الورقة وفهم المقصود. كان هناك صفحة كاملة تحمل تحقيقاً موسعاً عن جامعة الفيصل العالمية في الرياض التي رعى احتفال إطلاق مشروعها ولي العهد الأمير سلطان بن عبدالعزيز الأسبوع الماضي والتي ستبدأ الدراسة فيها العام الدراسي القادم بشراكة فاعلة مع القطاع الخاص السعودي، وتعاون أكاديمي استثنائي مع جامعات عالمية كبرى. هذه الجامعات العالمية الكبرى هي محط أنظار أي طالب في الدنيا، يريد أن يكون له شأن في دنيا العلم والعلماء، ومنذ أن فتحت وزارة التعليم العالي باب الابتعاث، تسابق الطلاب لنيل القبول في جامعات عالمية معينة، بعضهم فاز بها، وبعضهم اضطر للبحث عن غيرها بعد أن تعذر قبوله فيها.
خالد الفيصل بثاقب نظره رأى أن يأتي بهذه الجامعات المرموقة إلى هنا في "الرياض"، وهذه "الفكرة" الحضارية لم تكن صدى لفتح باب الابتعاث، فهي ولدت في ذهن الأمير منذ سنوات، وتمت دراستها من قبل متخصصين، إذ إن الأمير خالد - وهذه إحدى مميزاته العظيمة - يحترم التخصص، فإذا لاحت في ذهنه فكرة وضعها بين يدي جهابذتها يدرسونها ويحللونها، ويقدمون له النتائج. فعل هذا مع مؤسسة الملك فيصل الخيرية عند تأسيسها قبل نحو ثلاثة عقود، ومع كل ما تفرع عنها، حتى غدت تقدم جائزة الملك فيصل التي تضاهي جائزة "نوبل". وفعل ذلك مع السياحة في منطقة عسير التي كانت سباقة إلى هذا الميدان قبل أكثر من ربع قرن. وفعل ذلك مع صحيفة الوطن التي أصبحت في صدارة المشهد الإعلامي محلياً وعربياً خلال بضع سنوات. وفعل ذلك مع مؤسسة الفكر العربي التي أصبحت محجة دورية لكبار المفكرين والباحثين والموهوبين من الوطن العربي والعالم. هذه النجاحات الكبرى التي تحققت على يديه لم تدفعه أبداً إلى تغيير منهجه في إعطاء أصحاب الشأن حقهم، ولذلك سلم فكرة الجامعة إلى المتخصصين الذين عادوا إليه بعد الدراسة والتمحيص وقالوا "توكل على الله"، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، وحسب خالد أنه بهذه الجامعة سيغني كثيرين عن "الغربة" لطلب العلم في حين سيجدون في بلدهم ما يجعلهم يفخرون بالحصول على شهادة علمية من جامعة عالمية، وهم في أحضان آبائهم وأمهاتهم وفي حضن قيم الوطن وأخلاقياته.
خالد الفيصل صاحب حدس "مرعب" في قراءة المستقبل، مرعب لمن لا يفكرون في الغد، المشغولين بقوت يومهم ومشاكله، أما هو فلا تغرب عليه شمس أي يوم دون أن يستخلص تجربة عظمى ويستولد منها فكرة لمواجهة الغد، يدعمه في ذلك تجربته العميقة وشاعريته الشفافة، وثقافته الواسعة، وقدرته العجيبة على التأمل والاستنتاج بهدوء دائم، وصمت في الغالب. منذ سنوات سبع تقريبا كنا في مجلسه الأنيق بدار الضيافة في أبها، قبل أن تصدر صحيفة الوطن بنحو عشرة أشهر، وكنا نشاهد مباراة في كرة القدم بين ناديين كبيرين، تقدم أحدهما بهدفين في الشوط الأول، قلنا حسمت المباراة، قال الأمير: الفريق المهزوم هذا هو الذي سيفوز بالمباراة. ولم أجد في كلامه ما يقنعني، مع أنني لست من عشاق كرة القدم أصلاً، فاستأذنت وانصرفت معتقدا أنني سأكون محرجا بعد نهاية المباراة إذا قرأ الأمير في عيني سؤالاً أو تعليقاً على مقولته عن الفوز التي كنت جازماً أنها لن تتحقق، وأنا لا أستطيع الصبر فينعكس ذلك على نظراتي، وخالد الفيصل قارئ "مرعب أيضاً" للوجوه والنظرات. ووصلت البيت وانتهت المباراة بفوز الفريق المهزوم بثلاثة أهداف وتحقق حدس الأمير، فاتصلت به فوراً أسأله سؤالاً فاجأه، قلت دون أن أذكره بالمباراة: هل ستنجح "الوطن" يا أمير؟ فضحك وقال: بإذن الله، إذا أردتم، متوكلين على الله. وأنا هنا لا أقصد مدح خالد الفيصل فهو في غنى عني وعن أي مديح، ولكنني أصف حالة إنسانية نادرة، بل إنني أقدم هنا جانباً واحداً منها، جانب الفكر الاستباقي، وهو فكر صاحبه لا يهدأ، ففي هذه الأيام التي يعيش فيها منسوبو ومسؤولو جامعة الفيصل نشوة إطلاق المشروع، فإن خالد تجاوز "النشوة" في لحظتها وهو الآن يفكر في مشروع آخر لا أدري ما هو وأين سيكون، لكن "حدسي" يقول إنه يضع اللمسات الأخيرة على نقطة ضوء جديدة للمستقبل. أليس هو القائل ما أحب أنا المركز الثاني.. الأول أموت وأحيا به. خالد مرعب ومتعب ومطمئن ومريح.. رائع.
http://www.alwatan.com.sa/daily/2006-06-07/writers/writers06.htm
الأول أموت وأحيا به
قينان الغامدي
منذ أسبوعين تقريباً اقتطعت ورقة من صحيفة الرياض وقدمتها لابني الذي يدرس بالصف الثاني الثانوي "علمي". وقلت له "مبروك" الأمير خالد الفيصل يسلم عليك ويقول إنك ابنه. ترديد اسم الأمير في بيتنا ليس غريباً، ولذلك فقد نظر ابني في أحد وجهي الورقة وفهم المقصود. كان هناك صفحة كاملة تحمل تحقيقاً موسعاً عن جامعة الفيصل العالمية في الرياض التي رعى احتفال إطلاق مشروعها ولي العهد الأمير سلطان بن عبدالعزيز الأسبوع الماضي والتي ستبدأ الدراسة فيها العام الدراسي القادم بشراكة فاعلة مع القطاع الخاص السعودي، وتعاون أكاديمي استثنائي مع جامعات عالمية كبرى. هذه الجامعات العالمية الكبرى هي محط أنظار أي طالب في الدنيا، يريد أن يكون له شأن في دنيا العلم والعلماء، ومنذ أن فتحت وزارة التعليم العالي باب الابتعاث، تسابق الطلاب لنيل القبول في جامعات عالمية معينة، بعضهم فاز بها، وبعضهم اضطر للبحث عن غيرها بعد أن تعذر قبوله فيها.
خالد الفيصل بثاقب نظره رأى أن يأتي بهذه الجامعات المرموقة إلى هنا في "الرياض"، وهذه "الفكرة" الحضارية لم تكن صدى لفتح باب الابتعاث، فهي ولدت في ذهن الأمير منذ سنوات، وتمت دراستها من قبل متخصصين، إذ إن الأمير خالد - وهذه إحدى مميزاته العظيمة - يحترم التخصص، فإذا لاحت في ذهنه فكرة وضعها بين يدي جهابذتها يدرسونها ويحللونها، ويقدمون له النتائج. فعل هذا مع مؤسسة الملك فيصل الخيرية عند تأسيسها قبل نحو ثلاثة عقود، ومع كل ما تفرع عنها، حتى غدت تقدم جائزة الملك فيصل التي تضاهي جائزة "نوبل". وفعل ذلك مع السياحة في منطقة عسير التي كانت سباقة إلى هذا الميدان قبل أكثر من ربع قرن. وفعل ذلك مع صحيفة الوطن التي أصبحت في صدارة المشهد الإعلامي محلياً وعربياً خلال بضع سنوات. وفعل ذلك مع مؤسسة الفكر العربي التي أصبحت محجة دورية لكبار المفكرين والباحثين والموهوبين من الوطن العربي والعالم. هذه النجاحات الكبرى التي تحققت على يديه لم تدفعه أبداً إلى تغيير منهجه في إعطاء أصحاب الشأن حقهم، ولذلك سلم فكرة الجامعة إلى المتخصصين الذين عادوا إليه بعد الدراسة والتمحيص وقالوا "توكل على الله"، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، وحسب خالد أنه بهذه الجامعة سيغني كثيرين عن "الغربة" لطلب العلم في حين سيجدون في بلدهم ما يجعلهم يفخرون بالحصول على شهادة علمية من جامعة عالمية، وهم في أحضان آبائهم وأمهاتهم وفي حضن قيم الوطن وأخلاقياته.
خالد الفيصل صاحب حدس "مرعب" في قراءة المستقبل، مرعب لمن لا يفكرون في الغد، المشغولين بقوت يومهم ومشاكله، أما هو فلا تغرب عليه شمس أي يوم دون أن يستخلص تجربة عظمى ويستولد منها فكرة لمواجهة الغد، يدعمه في ذلك تجربته العميقة وشاعريته الشفافة، وثقافته الواسعة، وقدرته العجيبة على التأمل والاستنتاج بهدوء دائم، وصمت في الغالب. منذ سنوات سبع تقريبا كنا في مجلسه الأنيق بدار الضيافة في أبها، قبل أن تصدر صحيفة الوطن بنحو عشرة أشهر، وكنا نشاهد مباراة في كرة القدم بين ناديين كبيرين، تقدم أحدهما بهدفين في الشوط الأول، قلنا حسمت المباراة، قال الأمير: الفريق المهزوم هذا هو الذي سيفوز بالمباراة. ولم أجد في كلامه ما يقنعني، مع أنني لست من عشاق كرة القدم أصلاً، فاستأذنت وانصرفت معتقدا أنني سأكون محرجا بعد نهاية المباراة إذا قرأ الأمير في عيني سؤالاً أو تعليقاً على مقولته عن الفوز التي كنت جازماً أنها لن تتحقق، وأنا لا أستطيع الصبر فينعكس ذلك على نظراتي، وخالد الفيصل قارئ "مرعب أيضاً" للوجوه والنظرات. ووصلت البيت وانتهت المباراة بفوز الفريق المهزوم بثلاثة أهداف وتحقق حدس الأمير، فاتصلت به فوراً أسأله سؤالاً فاجأه، قلت دون أن أذكره بالمباراة: هل ستنجح "الوطن" يا أمير؟ فضحك وقال: بإذن الله، إذا أردتم، متوكلين على الله. وأنا هنا لا أقصد مدح خالد الفيصل فهو في غنى عني وعن أي مديح، ولكنني أصف حالة إنسانية نادرة، بل إنني أقدم هنا جانباً واحداً منها، جانب الفكر الاستباقي، وهو فكر صاحبه لا يهدأ، ففي هذه الأيام التي يعيش فيها منسوبو ومسؤولو جامعة الفيصل نشوة إطلاق المشروع، فإن خالد تجاوز "النشوة" في لحظتها وهو الآن يفكر في مشروع آخر لا أدري ما هو وأين سيكون، لكن "حدسي" يقول إنه يضع اللمسات الأخيرة على نقطة ضوء جديدة للمستقبل. أليس هو القائل ما أحب أنا المركز الثاني.. الأول أموت وأحيا به. خالد مرعب ومتعب ومطمئن ومريح.. رائع.
http://www.alwatan.com.sa/daily/2006-06-07/writers/writers06.htm