رائد الصالح
04-04-2004, 11:10 AM
المجلة العربية
http://www.arabicmagazine.com/last_issue2.asp?order=3&last_issue_number=493&num= 515
العدد 283 السنة 25 شعبان 1421هـ نوفمبر 2000م
دراسات أدبية
بؤرة التبدي وأشكال التناص في شعر الأمير خالد الفيصل
اكتب تعليقك | محاور العدد
كنا قد نشرنا الجزء الأول من دراسة الدكتورة لويزا بولبرس، الباحثة المغربية المعروفة التي تطرقت لشاعرية الأمير خالد الفيصل بعنوان «بؤرة التبدي وأشكال التناص في شعر الأمير خالد الفيصل» لاسيما أنها ممن سخروا تخصصهم لإبداع الشاعر وخرج ذلك بجزئه الأول في العدد السابق حيث تطرقت فيه لإطار تجربة سمو الأمير الشعرية وكيف أنه أصبح نموذجاً ثقف السياسة ولم يسيس الثقافة، فحقق بذلك خصوصية ومحلية في طريقها إلى الإنسانية والعالمية. من خلالها تقرأ سمو الأمير في شعره وتراه في لوحاته. وبرغم المسؤولية الملقاة على عاتقه كأمير منطقة.
ذكرت الكاتبة أن شعره كائن حي يستتر داخله ويسمع دبيب أفكاره. ولد منذ لحظة النطق بأول قصيدة «يوم أنا طالب» التي استعاد عن طريقها مرحلة الشباب. وتواصل الكاتبة حديثها النقدي.
رائحة البادية واستحضار نجوم الصحراء
وفي هذا الجزء الثاني نواصل ما كتبته الدكتورة ضمن سياق دراستها التي ألقتها في محاضرة احتشد لها الكثير من المهتمين بالأدب والثقافة.
ومن أجل الدخول في خضم الدراسة كان لابد أن نشير إلى آخر جزئية تطرقت لها الدكتورة «لويزا» حينما كانت تتحدث عن قصيدة الأمير الشاعر خالد الفيصل «يوم أنا طالب» التي اتخذتها دلالة واضحة لما تريد أن تصل إليه من مفتاح تجربة إبداعية لدى الشاعر عكست جدل رفض الواقع الحاضر والسعي إلى القبض عليه وقبوله والرضا بالانقباض فيه، وكأنها تنادي روح الشباب في عمق الشاعر، اعتبرتها صورة ملحة ومركزية في متن القصيد.
وهنا تواصل «لويزا» رائحة البادية وتهمس لإحساسها بما ذكرته بقلمها قائلة ومتسائلة: أليست البادية صورة تقريبية لبداية البدء الطبيعية؟
أليست البادية تعكس الأصل من غير تحويل أو تطوير أو تعمّل أو اجتلاب؟
أليس في استحضار الصحراء والظباء والنجوم والسماء والحصان والمهاة والنخل والخزامى والمرأة والفارس والفخر والحماسة تغييب للتشيّؤ ورفض لجمال القبح وقتل للاغتراب(1)؟
إننا نستطيع عن طريق هذه الآلية أن نعيد البهاء إلى العالم فتتحرك الحياة منذ أقدم أجدادنا نحونا عبر الأشياء والنباتات والحيوانات(2).
وحينما نجد الشاعر خالد الفيصل يحبب الشعر ويدافع عنه(3)، فلأنه لغة الإنسان الأولى التي عبرت عن العالم في بدئه وبه نستطيع دفن همومنا التي نريد. يقول الشاعر في شجن:
حلو الليالي توارى مثل الأحلام
مخطور عني عجاج الوقت يخفيها
أسري مع الهاجس اللي ما بعد نام
وأصور الماضي لنفسي وأسليها
أخالف العمر أراجع سالف أعوامي
وانوّخ ركاب فكري عند داعيها
تدفا على جال ضوه بارد عظامي
والماء يسوق بمعاليقي ويرويها
موسيقية النص
وبناء على ذلك، فإننا يمكن أن ننظر إلى موضوع الصيد أيضاً من خلال هذا المفهوم، فهو كما قلنا يستطيع أن يوجد الأطر والأشكال والصور والرموز، كما يستطيع استثمار المرجعيات الثقافية، وتفعيلها بالقدر الذي يخدم التجربة الخاصة. من ثم لا يعدو أن يشكل غرض الصيد على سبيل المثال فضاء لتجسيد نزوع الفكر إلى التسامي وبقاء الذات مرتبطة بـ(الأرض).
ستل جناحه ثم حام
يرقى على متن الهوا
يزفه بعيد وانا
محدود في حد النظر
له بالهوا شف ومرام
يلعب مع الغيمة سوا
ولا جناح لي وأطير
والأرض صارت لي مقر(4)
وهكذا بعد الوقوف على سبيل التجريب على كيفية اشتغال آلية التبدي، مع الإشارة إلى غايتها من ذلك، نشير هنا إلى دورها الثاني في إمكانية تفعيل الحوار بين أكثر من نص.
لقد فرضت هذه الآلية على الشاعر خالد الفيصل الدخول في علاقة متميزة مع التراث من خلال نصوص مركزية جمع بينها صياغة التراوح بين الاختراق والارتطام، مما ولّد الحنين إلى الأصل غير المحرّف المهدد بالاندثار.
وكما أشرنا إلى ذلك فإن التعالق النصي أو (التحاور النصي أو التناص)، خاصية ضرورية ولازمة، وإن خفيت أو أخفيت هذه الحقيقة لفترة. فالنص اجتماعي بالطبع، ومن ثم فإن «الكلمة وكذا كل النص ماهو إلا حلقة بين سابق ولاحق وتقاطع بين كل هذه، بما يعني أن النص ماهو إلا موزائيكية من التنصيصات ذابت وتحولت آخذة من بعضها الآخر(5).
الحوار المفتوح
مع التبدي
وفي ضوء هذا التصور نذكر من بين الشعراء الذين دخل معهم خالد الفيصل في حوار مباشر، امرؤ القيس والمتنبي وأبوفراس الحمداني والشريف الرضي(6).
وأول ما يلاحظ على هؤلاء الشعراء أنهم جمعوا بين الشعر والسياسة، فامرؤ القيس وأبوفراس والشريف الرضي، أمراء، أما المتنبي فقد سعى في غير توان إلى الإمارة. ولقد جعلتهم هذه السمة المشتركة يعيشون في مرحلة النضج تبعات الجمع بين الحق والواجب، والخيال والواقع، فتحمّلت أنفسهم ثقل التوتر والتضاد.
ولعل ما وحّد بينهم وظهر له فنياً الأثر نفسه هو السباحة ضد التيار، أي السباحة في اتجاه المنبع لا المصب. والسباحة في هذا الاتجاه أدلّ على القوة وإن كانت أصعب على النفس، فقد جعلت امرأ القيس في الأخير يرضى من الغنيمة بالإياب، وجعلت خالد الفيصل ينكسر غصن خياله، وبين الإثنين شعراء على رأسهم من ذكرنا شعروا بالإحساس نفسه.
ولعل الوقوف لرؤية جنازة الحياة المحمولة دائماً على الآلة الحدباء، كان وراء التغني بالمكان الأول، والزمان الأول اللذين يتحولان في غير ما توقف. ولعل التبادي الفني نوع من الإكسير الذي يعيد الشباب إلى الوجود أو يؤخر شيخوخته في أسوأ الأحوال.
وإذا كان امرؤ القيس لا يحتاج إلى وقوفنا عنده في هذه العجالة بحكم عموم البيئة الصحراوية في عصره(7)، فإن ظاهرة التبدي الشعري في القرن الرابع على الخصوص حتى القرن الحالي تحتاج إلى فهم وتفسير، ولعلنا بتعليلنا الظاهرة عند خالد الفيصل بما أشرنا إليه نكون قد أسهمنا نقدياً بما نطمئن إليه.
أما القدماء وكثير من المحدثين فقد ذهبوا إلى غير ما ذهبنا إليه، فالصاحب بن عباد قد ذهب إلى أن المتنبي كان يقصد إلى التبدي، وكان «من أهم ما يتعاطاه التفاصح بالألفاظ النافرة والكلمات الشاذة، حتى كأنه وليد خباء، وغذيّ لبن لم يطأ الحضر»(8).
ونذكر من المحدثين الناقد شوقي نضيف الذي علّل التبدي عند المتني بسعيه إلى أن «يحقق لنفسه التفوق في أوساط اللغوين من أصحاب الغريب»(9)، كما علّله عند مهيار بحرصه على التلفيق لعجزه عن التجديد.
غير أن الأستاذ الدكتور محمد الدناني بنظرته الشمولية إلى موضوع «التبدي» في الشعر أو «التبادي الشعري» أشار إشارات ذكية قد تعني بعضاً مما نعنيه في هذا البحث، وذلك حين تحدث عمّا سماه بـ«الحس الكلي» الذي يتجاوز عقل الشاعر لفضح التأزم، ومن ثم فهو الذي يبحث عن الشعراء الفاعلين ويبقى الفرق أن الباحث يُسند إلى الظاهرة وظيفة نقدية تصحيحية في حين نسند إليها نحن وظيفة وجودية تكريرية للبداية(10)، وهو ما نستشعره في النماذج التالية:
يقول المتنبي رابطاً بين البداوة والجمال الطبيعي والخلق الفطري:
مَن الجآذر في زيّ الأعاريب
حمر الحُلى والمطايا والجلابيب
ما أوجه الحضر المستحسنات به
كأوجه البدويّات الرّعابيب
حسن الحضارة مجلوب بتطرية
وفي البداوة حسن غير مجلوب
أين المعيز من الآرام ناظرة
وغير ناظرة في الحسن والطيب
أفدي ظباء فلاة ما عرفن بها
مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب
ولا برزن من الحمّام ماثلة
أوراكهن صقيلات العراقيب
ومن هوى كل من ليست مموهة
تركت لون مشيبي غير مخضوب
ومن هوى الصدق في قولي وعادته
رغبت عن شعر في الوجه مكذوب(11)
ويقول أبو فراس:
لعل خيال العامرية زائر
فيسعد مهجور ويسعد هاجر
وإني على طول الشماس عن الصبا
أحنِ وتصبيني إليك الجآذر
وتسعدني غبرُ البوادي لأجلها
وإن رغمت بين البيوت الحواضر
فيا نفس ما لاقيت من لاعج الهوى
وياقلب ما جرت عليك النواظر
وياعفتي مالي؟ ومالك كلما
هممت بأمرهم لي منك زاجر(12)
أما الشريف الرضي فقد تواترت لديه هذه اللازمة، يقول على سبيل المثال:
في كل يوم للأحبة مطرح
وعلى المنازل للمدامع مسفح
شوق على نأي الديار مغالب
وجوى على طول المطال مبرح
وعلى المطي ظباء وجرة ما
غفل المراقب تشرئب وتسنح
خالسننا النظر المريب كما رنت
بقر الجواء إلى وميض يلمح
يبسمن عن برد الغمام وبرده
ريان يغبق بالمدام ويصبح
كلفت عينك نظرة مزؤودة
منعتك لذتها مدامع تسفح(13)
وقد علّل محمد جميل شلش تفشي هذه الظاهرة عند الشريف الرضي بقوله: «وقد رسخ هذه الروح في نفسه وفي شعره، قراءته للمتنبي أولاً، وتأثره به في الشعر، والوسائل والغايات، ثم تمرسه بإمارة الحج في أعوام طويلة من عمره.. كل ذلك زاد لصوقه بالبداوة، لأنه وجد فيها بشكل عفوي، المنبع الأصيل، والمرجع الوحيد، لشعوره العربي، ولراحة نفسه، ورضا قلبه وضميره»(14).
وقبل الختام فإن الدكتورة لويزا انتهزت فرصة دخول الأمير الشاعر في هذه الدراسة بالقول: أرجو أن تكون قد أسهمت بقسط ولو ضئيل في تسليط الضوء على بؤر النص الشعري عند الأمير خالد الفيصل، أستاذنكم في أن أحييه بأبيات شعرية استجابة لمن يرى أن الشعر لا يمكن الحديث عنه إلا شعراً:
القلب من رجع القصيدة يخفق
سيان أنشد مغرب أو مشرق
ختمت رؤاك بها المعاني كلها
لكن إذا جُسّت تلين فتفتق
فإذا الزمان بها يتيه وينتشي
وإذا المكان بها يضيء ويعبق
يسمو الأمير بعالم في نفسه
لكنه الشعبي لمّا ينطق
النفس تعلو بالثريا عنده
والقلب بين الناس حرّ موثق
فذروه رحماكم يبوح بحبه
فالسرب كَلَّ ووحده سيحلق
الهوامش
1ــ يقول ا الدكتور محمد الدنان «ملتقى العيون الشعري»« ندوة تكريمية للشاعر الشيخ عبدالعزيز سعود البابطين. المغرب 1998م، ص172-194. ويمكن القول بنوع من الاطمئنان بأن هذه الظاهرة تعم أكثر من شاعر في العصر الحديث خاصة شعراء شبه الجزيرة العربية، ودراستها على نطاق أوسع وأشمل واجبة.
2ــ سعيد علوش، النقد الموضوعاتي، ص28.
3ــ من ذلك قوله:
تملين الشعر وأنا القصيدة
صاغها من لوعة أيامي زماني
أمسية شعرية، ص2، الديوان 3/42.
4ــ أمسية شعرية، ص25، الديوان 1/15.
5ــ أمسية شعرية، ص7، الديوان 2/9، والقصيدة نرى أنها تتناص مع لوحة تشخص قول الشاعر العباس بن الأحنف.
أسرب القطا هل من معير جناحه
لعلي إلى من قد هويت أطير
ولا نستبعد أن يتناص صقر خالد الفيصل مع حمامة أبي فراس المشهورة.
6ــ محسن جاسم الموسوي، المقارنة والتناص، قراءة مستجدة في منهجيات الأدب المقارن. مقال ضمن: مجلة علامات في النقد، النادي الأدبي الثقافي في جدة، الجزء 26، المجلد 7، ديسمبر 1997م، ص24.
7ــ خص الشاعر خالد الفيصل الشعراء الثلاثة الأوائل بلوحات تشخصهم في أوضاع تجسد لديه فرط الإعجاب بهم، فأوجد لنا بذلك ما يؤكد إلحاح تيمة التبدي عليه في الشعر والرسم.
8ــ نقصد هنا ضعف الاستقرار وبساطة العمران والتحضر؟ أم هي تباد فكري وشعري تمسك به الجاهليون وهم يعيشون عيشة متحضرة». واستنتج أن «ثنائية البداوة والحضارة في الكتابة الشعرية، كانت سمة فنية حاضرة في ديوان الشعر العربي الجاهلي. «بوح البوادي» نحو يقظة أخرى للقصيدة البدوية الحضرية. ص172-174.
9ــ شوقي ضيف، الفن ومذاهبه في الشعر العربي، دار المعارف. مصر، ط10، 1978م، ص335. ولقد أشار الأستاذ الدكتور محمد الدناي إلى انتقاد القدامى لغير المتنبي من الشعراء. يرجع إلى المقال المنصوص عليه أعلاه.
10ــ شوقي ضيف، الفن ومذاهبه في الشعر العربي، الصفحة نفسها.
11ــ لقد ربط الباحث بين «ظهور التبادي الشعري» بظهور الأزمة في الشعر، واعترف للظاهرة بفضل تصحيح مسار الشعر العربي أربع مرات من خلال أربعة شعراء هم: ذو الرمة، أبوتمام، ابن الفارض، عبدالعزيز سعود البابطن.
12ــ ديوان أبي الطيب المتنبي بشرح أبي البقاء العكبري، تحقيق: مصطفى السقا، إبراهيم الأبياري، عبدالحفيظ شلبي، دار المعرفة. بيروت 1/159-170.
13ــ ديوان أبي فراس، دار الصياد، بيروت 1961م، ص102-103.
14ــ محمد جميل شلش، الحماسة في شعر الشريف الرضي، منشورات وزارة الإعلام، دار الحرية للطباعة، بغداد، ص197م.
15ــ إيليا الحاوي، الرمزية والسريالية في الشعر الغربي والعربي، دار الثقافة، بيروت 1980م، ص35 والأسطر من قصيدة لبودلير.
16ــ محسن جاسم الموسي، المقارنة والتناص قراءة مستجدة في منهجيات الأدب المقارن، ص26.
إلى الأعلى
اشترك معنا في القائمة البريدية
مجلة أقلام
حمد الجاسر
وزارة التعليم العالي
http://www.arabicmagazine.com/last_issue2.asp?order=3&last_issue_number=493&num= 515
العدد 283 السنة 25 شعبان 1421هـ نوفمبر 2000م
دراسات أدبية
بؤرة التبدي وأشكال التناص في شعر الأمير خالد الفيصل
اكتب تعليقك | محاور العدد
كنا قد نشرنا الجزء الأول من دراسة الدكتورة لويزا بولبرس، الباحثة المغربية المعروفة التي تطرقت لشاعرية الأمير خالد الفيصل بعنوان «بؤرة التبدي وأشكال التناص في شعر الأمير خالد الفيصل» لاسيما أنها ممن سخروا تخصصهم لإبداع الشاعر وخرج ذلك بجزئه الأول في العدد السابق حيث تطرقت فيه لإطار تجربة سمو الأمير الشعرية وكيف أنه أصبح نموذجاً ثقف السياسة ولم يسيس الثقافة، فحقق بذلك خصوصية ومحلية في طريقها إلى الإنسانية والعالمية. من خلالها تقرأ سمو الأمير في شعره وتراه في لوحاته. وبرغم المسؤولية الملقاة على عاتقه كأمير منطقة.
ذكرت الكاتبة أن شعره كائن حي يستتر داخله ويسمع دبيب أفكاره. ولد منذ لحظة النطق بأول قصيدة «يوم أنا طالب» التي استعاد عن طريقها مرحلة الشباب. وتواصل الكاتبة حديثها النقدي.
رائحة البادية واستحضار نجوم الصحراء
وفي هذا الجزء الثاني نواصل ما كتبته الدكتورة ضمن سياق دراستها التي ألقتها في محاضرة احتشد لها الكثير من المهتمين بالأدب والثقافة.
ومن أجل الدخول في خضم الدراسة كان لابد أن نشير إلى آخر جزئية تطرقت لها الدكتورة «لويزا» حينما كانت تتحدث عن قصيدة الأمير الشاعر خالد الفيصل «يوم أنا طالب» التي اتخذتها دلالة واضحة لما تريد أن تصل إليه من مفتاح تجربة إبداعية لدى الشاعر عكست جدل رفض الواقع الحاضر والسعي إلى القبض عليه وقبوله والرضا بالانقباض فيه، وكأنها تنادي روح الشباب في عمق الشاعر، اعتبرتها صورة ملحة ومركزية في متن القصيد.
وهنا تواصل «لويزا» رائحة البادية وتهمس لإحساسها بما ذكرته بقلمها قائلة ومتسائلة: أليست البادية صورة تقريبية لبداية البدء الطبيعية؟
أليست البادية تعكس الأصل من غير تحويل أو تطوير أو تعمّل أو اجتلاب؟
أليس في استحضار الصحراء والظباء والنجوم والسماء والحصان والمهاة والنخل والخزامى والمرأة والفارس والفخر والحماسة تغييب للتشيّؤ ورفض لجمال القبح وقتل للاغتراب(1)؟
إننا نستطيع عن طريق هذه الآلية أن نعيد البهاء إلى العالم فتتحرك الحياة منذ أقدم أجدادنا نحونا عبر الأشياء والنباتات والحيوانات(2).
وحينما نجد الشاعر خالد الفيصل يحبب الشعر ويدافع عنه(3)، فلأنه لغة الإنسان الأولى التي عبرت عن العالم في بدئه وبه نستطيع دفن همومنا التي نريد. يقول الشاعر في شجن:
حلو الليالي توارى مثل الأحلام
مخطور عني عجاج الوقت يخفيها
أسري مع الهاجس اللي ما بعد نام
وأصور الماضي لنفسي وأسليها
أخالف العمر أراجع سالف أعوامي
وانوّخ ركاب فكري عند داعيها
تدفا على جال ضوه بارد عظامي
والماء يسوق بمعاليقي ويرويها
موسيقية النص
وبناء على ذلك، فإننا يمكن أن ننظر إلى موضوع الصيد أيضاً من خلال هذا المفهوم، فهو كما قلنا يستطيع أن يوجد الأطر والأشكال والصور والرموز، كما يستطيع استثمار المرجعيات الثقافية، وتفعيلها بالقدر الذي يخدم التجربة الخاصة. من ثم لا يعدو أن يشكل غرض الصيد على سبيل المثال فضاء لتجسيد نزوع الفكر إلى التسامي وبقاء الذات مرتبطة بـ(الأرض).
ستل جناحه ثم حام
يرقى على متن الهوا
يزفه بعيد وانا
محدود في حد النظر
له بالهوا شف ومرام
يلعب مع الغيمة سوا
ولا جناح لي وأطير
والأرض صارت لي مقر(4)
وهكذا بعد الوقوف على سبيل التجريب على كيفية اشتغال آلية التبدي، مع الإشارة إلى غايتها من ذلك، نشير هنا إلى دورها الثاني في إمكانية تفعيل الحوار بين أكثر من نص.
لقد فرضت هذه الآلية على الشاعر خالد الفيصل الدخول في علاقة متميزة مع التراث من خلال نصوص مركزية جمع بينها صياغة التراوح بين الاختراق والارتطام، مما ولّد الحنين إلى الأصل غير المحرّف المهدد بالاندثار.
وكما أشرنا إلى ذلك فإن التعالق النصي أو (التحاور النصي أو التناص)، خاصية ضرورية ولازمة، وإن خفيت أو أخفيت هذه الحقيقة لفترة. فالنص اجتماعي بالطبع، ومن ثم فإن «الكلمة وكذا كل النص ماهو إلا حلقة بين سابق ولاحق وتقاطع بين كل هذه، بما يعني أن النص ماهو إلا موزائيكية من التنصيصات ذابت وتحولت آخذة من بعضها الآخر(5).
الحوار المفتوح
مع التبدي
وفي ضوء هذا التصور نذكر من بين الشعراء الذين دخل معهم خالد الفيصل في حوار مباشر، امرؤ القيس والمتنبي وأبوفراس الحمداني والشريف الرضي(6).
وأول ما يلاحظ على هؤلاء الشعراء أنهم جمعوا بين الشعر والسياسة، فامرؤ القيس وأبوفراس والشريف الرضي، أمراء، أما المتنبي فقد سعى في غير توان إلى الإمارة. ولقد جعلتهم هذه السمة المشتركة يعيشون في مرحلة النضج تبعات الجمع بين الحق والواجب، والخيال والواقع، فتحمّلت أنفسهم ثقل التوتر والتضاد.
ولعل ما وحّد بينهم وظهر له فنياً الأثر نفسه هو السباحة ضد التيار، أي السباحة في اتجاه المنبع لا المصب. والسباحة في هذا الاتجاه أدلّ على القوة وإن كانت أصعب على النفس، فقد جعلت امرأ القيس في الأخير يرضى من الغنيمة بالإياب، وجعلت خالد الفيصل ينكسر غصن خياله، وبين الإثنين شعراء على رأسهم من ذكرنا شعروا بالإحساس نفسه.
ولعل الوقوف لرؤية جنازة الحياة المحمولة دائماً على الآلة الحدباء، كان وراء التغني بالمكان الأول، والزمان الأول اللذين يتحولان في غير ما توقف. ولعل التبادي الفني نوع من الإكسير الذي يعيد الشباب إلى الوجود أو يؤخر شيخوخته في أسوأ الأحوال.
وإذا كان امرؤ القيس لا يحتاج إلى وقوفنا عنده في هذه العجالة بحكم عموم البيئة الصحراوية في عصره(7)، فإن ظاهرة التبدي الشعري في القرن الرابع على الخصوص حتى القرن الحالي تحتاج إلى فهم وتفسير، ولعلنا بتعليلنا الظاهرة عند خالد الفيصل بما أشرنا إليه نكون قد أسهمنا نقدياً بما نطمئن إليه.
أما القدماء وكثير من المحدثين فقد ذهبوا إلى غير ما ذهبنا إليه، فالصاحب بن عباد قد ذهب إلى أن المتنبي كان يقصد إلى التبدي، وكان «من أهم ما يتعاطاه التفاصح بالألفاظ النافرة والكلمات الشاذة، حتى كأنه وليد خباء، وغذيّ لبن لم يطأ الحضر»(8).
ونذكر من المحدثين الناقد شوقي نضيف الذي علّل التبدي عند المتني بسعيه إلى أن «يحقق لنفسه التفوق في أوساط اللغوين من أصحاب الغريب»(9)، كما علّله عند مهيار بحرصه على التلفيق لعجزه عن التجديد.
غير أن الأستاذ الدكتور محمد الدناني بنظرته الشمولية إلى موضوع «التبدي» في الشعر أو «التبادي الشعري» أشار إشارات ذكية قد تعني بعضاً مما نعنيه في هذا البحث، وذلك حين تحدث عمّا سماه بـ«الحس الكلي» الذي يتجاوز عقل الشاعر لفضح التأزم، ومن ثم فهو الذي يبحث عن الشعراء الفاعلين ويبقى الفرق أن الباحث يُسند إلى الظاهرة وظيفة نقدية تصحيحية في حين نسند إليها نحن وظيفة وجودية تكريرية للبداية(10)، وهو ما نستشعره في النماذج التالية:
يقول المتنبي رابطاً بين البداوة والجمال الطبيعي والخلق الفطري:
مَن الجآذر في زيّ الأعاريب
حمر الحُلى والمطايا والجلابيب
ما أوجه الحضر المستحسنات به
كأوجه البدويّات الرّعابيب
حسن الحضارة مجلوب بتطرية
وفي البداوة حسن غير مجلوب
أين المعيز من الآرام ناظرة
وغير ناظرة في الحسن والطيب
أفدي ظباء فلاة ما عرفن بها
مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب
ولا برزن من الحمّام ماثلة
أوراكهن صقيلات العراقيب
ومن هوى كل من ليست مموهة
تركت لون مشيبي غير مخضوب
ومن هوى الصدق في قولي وعادته
رغبت عن شعر في الوجه مكذوب(11)
ويقول أبو فراس:
لعل خيال العامرية زائر
فيسعد مهجور ويسعد هاجر
وإني على طول الشماس عن الصبا
أحنِ وتصبيني إليك الجآذر
وتسعدني غبرُ البوادي لأجلها
وإن رغمت بين البيوت الحواضر
فيا نفس ما لاقيت من لاعج الهوى
وياقلب ما جرت عليك النواظر
وياعفتي مالي؟ ومالك كلما
هممت بأمرهم لي منك زاجر(12)
أما الشريف الرضي فقد تواترت لديه هذه اللازمة، يقول على سبيل المثال:
في كل يوم للأحبة مطرح
وعلى المنازل للمدامع مسفح
شوق على نأي الديار مغالب
وجوى على طول المطال مبرح
وعلى المطي ظباء وجرة ما
غفل المراقب تشرئب وتسنح
خالسننا النظر المريب كما رنت
بقر الجواء إلى وميض يلمح
يبسمن عن برد الغمام وبرده
ريان يغبق بالمدام ويصبح
كلفت عينك نظرة مزؤودة
منعتك لذتها مدامع تسفح(13)
وقد علّل محمد جميل شلش تفشي هذه الظاهرة عند الشريف الرضي بقوله: «وقد رسخ هذه الروح في نفسه وفي شعره، قراءته للمتنبي أولاً، وتأثره به في الشعر، والوسائل والغايات، ثم تمرسه بإمارة الحج في أعوام طويلة من عمره.. كل ذلك زاد لصوقه بالبداوة، لأنه وجد فيها بشكل عفوي، المنبع الأصيل، والمرجع الوحيد، لشعوره العربي، ولراحة نفسه، ورضا قلبه وضميره»(14).
وقبل الختام فإن الدكتورة لويزا انتهزت فرصة دخول الأمير الشاعر في هذه الدراسة بالقول: أرجو أن تكون قد أسهمت بقسط ولو ضئيل في تسليط الضوء على بؤر النص الشعري عند الأمير خالد الفيصل، أستاذنكم في أن أحييه بأبيات شعرية استجابة لمن يرى أن الشعر لا يمكن الحديث عنه إلا شعراً:
القلب من رجع القصيدة يخفق
سيان أنشد مغرب أو مشرق
ختمت رؤاك بها المعاني كلها
لكن إذا جُسّت تلين فتفتق
فإذا الزمان بها يتيه وينتشي
وإذا المكان بها يضيء ويعبق
يسمو الأمير بعالم في نفسه
لكنه الشعبي لمّا ينطق
النفس تعلو بالثريا عنده
والقلب بين الناس حرّ موثق
فذروه رحماكم يبوح بحبه
فالسرب كَلَّ ووحده سيحلق
الهوامش
1ــ يقول ا الدكتور محمد الدنان «ملتقى العيون الشعري»« ندوة تكريمية للشاعر الشيخ عبدالعزيز سعود البابطين. المغرب 1998م، ص172-194. ويمكن القول بنوع من الاطمئنان بأن هذه الظاهرة تعم أكثر من شاعر في العصر الحديث خاصة شعراء شبه الجزيرة العربية، ودراستها على نطاق أوسع وأشمل واجبة.
2ــ سعيد علوش، النقد الموضوعاتي، ص28.
3ــ من ذلك قوله:
تملين الشعر وأنا القصيدة
صاغها من لوعة أيامي زماني
أمسية شعرية، ص2، الديوان 3/42.
4ــ أمسية شعرية، ص25، الديوان 1/15.
5ــ أمسية شعرية، ص7، الديوان 2/9، والقصيدة نرى أنها تتناص مع لوحة تشخص قول الشاعر العباس بن الأحنف.
أسرب القطا هل من معير جناحه
لعلي إلى من قد هويت أطير
ولا نستبعد أن يتناص صقر خالد الفيصل مع حمامة أبي فراس المشهورة.
6ــ محسن جاسم الموسوي، المقارنة والتناص، قراءة مستجدة في منهجيات الأدب المقارن. مقال ضمن: مجلة علامات في النقد، النادي الأدبي الثقافي في جدة، الجزء 26، المجلد 7، ديسمبر 1997م، ص24.
7ــ خص الشاعر خالد الفيصل الشعراء الثلاثة الأوائل بلوحات تشخصهم في أوضاع تجسد لديه فرط الإعجاب بهم، فأوجد لنا بذلك ما يؤكد إلحاح تيمة التبدي عليه في الشعر والرسم.
8ــ نقصد هنا ضعف الاستقرار وبساطة العمران والتحضر؟ أم هي تباد فكري وشعري تمسك به الجاهليون وهم يعيشون عيشة متحضرة». واستنتج أن «ثنائية البداوة والحضارة في الكتابة الشعرية، كانت سمة فنية حاضرة في ديوان الشعر العربي الجاهلي. «بوح البوادي» نحو يقظة أخرى للقصيدة البدوية الحضرية. ص172-174.
9ــ شوقي ضيف، الفن ومذاهبه في الشعر العربي، دار المعارف. مصر، ط10، 1978م، ص335. ولقد أشار الأستاذ الدكتور محمد الدناي إلى انتقاد القدامى لغير المتنبي من الشعراء. يرجع إلى المقال المنصوص عليه أعلاه.
10ــ شوقي ضيف، الفن ومذاهبه في الشعر العربي، الصفحة نفسها.
11ــ لقد ربط الباحث بين «ظهور التبادي الشعري» بظهور الأزمة في الشعر، واعترف للظاهرة بفضل تصحيح مسار الشعر العربي أربع مرات من خلال أربعة شعراء هم: ذو الرمة، أبوتمام، ابن الفارض، عبدالعزيز سعود البابطن.
12ــ ديوان أبي الطيب المتنبي بشرح أبي البقاء العكبري، تحقيق: مصطفى السقا، إبراهيم الأبياري، عبدالحفيظ شلبي، دار المعرفة. بيروت 1/159-170.
13ــ ديوان أبي فراس، دار الصياد، بيروت 1961م، ص102-103.
14ــ محمد جميل شلش، الحماسة في شعر الشريف الرضي، منشورات وزارة الإعلام، دار الحرية للطباعة، بغداد، ص197م.
15ــ إيليا الحاوي، الرمزية والسريالية في الشعر الغربي والعربي، دار الثقافة، بيروت 1980م، ص35 والأسطر من قصيدة لبودلير.
16ــ محسن جاسم الموسي، المقارنة والتناص قراءة مستجدة في منهجيات الأدب المقارن، ص26.
إلى الأعلى
اشترك معنا في القائمة البريدية
مجلة أقلام
حمد الجاسر
وزارة التعليم العالي