المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة نسخة كاملة : لغه المال‏..‏ ولغه الفكر


هنادي العبدالله
04-27-2004, 02:42 PM
لغه المال‏..‏ ولغه الفكر
يكتبها فاروق جويده
شيء عظيم ان تلتقي الثقافه والفكر مع راس المال‏..‏ خاصه ان التقارب بينهما عبر التاريخ كان دائما محدودا وتحوطه الاخطار‏..‏ فترات قليله جدا في التاريخ تلك التي جمعت الظروف والاحداث اصحاب الفكر مع اصحاب المال وربما كان السبب في ذلك ان للمال وسائله وغاياته وان للفكر لغته واساليبه واحلامه‏..‏ وما بين احلام الفكر وغايات المال تبدو مسافات بعيده كان من الصعب دائما تجاوزها‏.‏
ان المال يتعامل مع الواقع بارقامه واسعاره وخططه ودوافعه‏..‏ والفكر يتعامل مع اشياء تبدو مجرده لكنها تمثل الحجر الاساسي لبناء الانسان‏..‏ ان قضايا المال غير قضايا الفكر وفرسان الكلمه او الراي او الموقف غير اصحاب الملايين‏,‏ وشتان بين قلم يبدع او يكتب او يناقش وقلم اخر يوقع الشيكات‏..‏ الشيكات اهم‏..‏ لكن الابداع هو الابقي‏.‏
وفي تاريخنا العربي هناك مناطق لها حساسيه خاصه في تعاملها مع اهل الفكر‏..‏ انها السلطه وراس المال‏..‏ ولعل السبب في ذلك ان احلام اهل الفكر تتجاوز بكثير واقع اصحاب السلطه وروي اصحاب المال‏..‏ وكان من النادر في تاريخ العرب ان تجد في رحاب السلطه احدا من اهل الفكر لانهم كانوا ينقسمون دائما الي فريقين صاحب فكر يحمل المباخر او صاحب فكر يسكن السجون وما بينهما رحله طويله من العذاب‏.‏
اما اهل المال فكانوا دائما بعيدين بحكم الانتماء والتكوين وحتي الرغبه عن اهل الفكر‏..‏ وما اجمل ان يلتقي المال مع الفكر ويحمل شيئا من سماته‏..‏ وما اعظم ان تجد السلطه العقل الواعي الذي يرشدها بالراي والمشوره‏..‏ هنا يكون التكامل الذي لا يحدث ابدا بين واقعيه القرار‏..‏ وقوه المال‏..‏ واحلام وروي اهل الفكر‏.‏

وفي السنوات الاخيره كانت السلطه في عالمنا العربي تحاول احتواء اهل الفكر‏..‏ وقد نجحت مع البعض واخفقت مع البعض الاخر وربما كان ذلك هو السبب في ان السلطه لجات للغه المال‏..‏ في حوارها مع اهل الفكر‏,‏ ولعل السبب في ذلك هو التداخل الشديد بين سلطه القرار وسلطه المال حتي اصبحا شيئا واحدا في كثير من الاحيان‏.‏
وفي السنوات الاخيره ظهرت موسسات ماليه فرديه وليست حكوميه وان جاءت بدعم حكومي حاولت ان تقترب من اهل الفكر في العالم العربي‏..‏ وقد اخذ ذلك اشكالا عديده من بينها الجوائز التي قدمها البعض‏..‏ او دور النشر‏..‏ او المهرجانات الادبيه والتجمعات الثقافيه او مراكز الابحاث‏..‏ ولاشك ان مثل هذه الانشطه الماليه التي تسعي لخدمه الثقافه والفكر لا اعتراض عليها الا اذا كانت لها اهداف خفيه في احتواء البعض او تهميش البعض الاخر او استخدام المال كوسيله ضغط او مساومه او استقطاب‏..‏
في جانب اخر لابد ان نعترف ان راس المال مارس دورا سلبيا في الفتره الاخيره تجاه الفن والفكر معا‏..‏ لقد حدثت عمليه اختراق مرسومه لكل مجالات الفن في العالم العربي شاركت فيها رءوس الاموال العربيه ووصلت بالفن العربي الي اسوا حالاته‏..‏ حدث هذا في الغناء‏..‏ والمسرح‏..‏ والسينما‏..‏ وانتشر اكثر مع القنوات الفضائيه التي تغطي سماء الكون وازدادت معها السطحيه والبلاهه والتخلف‏.‏
كما كان لراس المال دور كبير في افساد الذوق العام من خلال طبقات جديده تسلقت السلم الاجتماعي وافسدت كل مقوماته‏.‏

وقد لعب راس المال دورا كبيرا في اشعال المعارك بين المثقفين وزياده الخلافات بينهم وهي في الحقيقه لم تكن خلافات فكر بل تحولت الي صراعات مصالح وخسر فيها المثقفون الكثير من هيبتهم ومصداقيتهم امام الناس‏.‏
واستطاع راس المال ايضا ان يلعب دوره في السياسه مستخدما في ذلك اهل الفكر واهل السياسه معا‏..‏ واكبر دليل علي ذلك عمليات التصفيات التاريخيه لكثير من رموز هذه الامه عبر وسائل الاعلام‏..‏ لقد استهدف راس المال هذه الرموز لاهداف سياسيه وحقق في ذلك نتائج مذهله‏.‏
ولا ننكر ان راس المال روج من خلال الفكر والثقافه سلعا رديئه في الفكر والسلوك وغير الكثير من التقاليد والمفاهيم والقيم‏..‏ وقد حدث ذلك من خلال اتجاهين رئيسيين احدهما مغرق في التخلف‏..‏ والاخر مغرق في التحلل‏..‏ وكلاهما وصل بشباب الامه الي ما هم عليه الان‏.‏
من هنا كان التخوف دائما من تلك العلاقه الشائكه بين الثقافه والفكر وراس المال وان كانت هناك بعض الرموز التي قدمت صوره نموذجيه لهذه العلاقه عندما قدم بعض رجال الاعمال انجازات جمعت المال والثقافه ولعل النموذج الفريد في ذلك ما فعله طلعت حرب وهو يبني الموسسات الماليه مع المصانع ومعهما المسارح واستوديوهات السينما وقلاع الفن الراقي‏.‏
ولهذا كنت اتابع بشيء من التخوف والحذر انشاء موسسه الفكر العربي التي جمعت نخبه من رجال الاعمال العرب قدم كل واحد منهم مبلغا من المال بحيث يخصص عائد هذه المبالغ لخدمه قضايا الثقافه والفكر في العالم العربي‏..‏ وقد اعلن عن انشاء هذه الموسسه ومقرها بيروت وشهدت القاهره اخيرا اول موتمر فكري تقيمه الموسسه الجديده‏.‏
وقد التقيت اخيرا بالامير خالد الفيصل رئيس موسسه الفكر العربي وشرح لي الرجل اهداف الموسسه وكيف انها تسعي لان تكون مركز ابحاث ودراسات حول هموم ومشكلات هذه الامه‏..‏ وانها ستكون بعيده عن دوائر الاستقطاب سواء كانت باسم المال او باسم الفكر‏..‏ وان العلاقه بين راس المال والفكر علاقه قديمه في اوروبا والعالم العربي وان الكثيرين من رموز الفكر عاشوا في رعايه اهل المال‏..‏ وان الهدف من الموسسه بعيد كل البعد عن توجهات السياسه واهدافها‏..‏ وقلت له كل تحفظاتي علي مثل هذه المشروعات وتمنيت لو ان هذه الموسسه وضعت بالفعل اسلوبا يخرج بها عن كل المناطق الشائكه في العلاقه بين الفكر وراس المال في العالم العربي‏..‏

وما اكثر المحاذير في هذه العلاقه عبر سنوات طويله‏...‏
‏*‏ الا تكون موسسه خدمات اجتماعيه تقدم في شكل هبات او منح للمثقفين العرب لاي سبب من الاسباب لان مثل هذه الاساليب قد اساءت للثقافه العربيه وحولت المثقفين الي مجرد دمي في ايدي الانظمه العربيه التي استخدمت المال وسيله رخيصه في تعاملها مع بعض اصحاب اهل الفكر‏..‏
‏*‏ ان تسعي الموسسه الجديده الي اغلاق ملف الصراعات بين المثقفين والا تستخدم المال كوسيله لاشعال صراعات جديده تزداد معها حده الخلافات بين رموز هذه الامه في وقت نحن احوج ما نكون فيه لجمع اخر ما تبقي من رصيدها الفكري والحضاري‏.‏
‏*‏ الا تقع مثل هذه الموسسات تحت هيمنه قوي اخري تحاول من خلالها فرض مناهجها الفكريه او السلوكيه او الحضاريه‏.‏
‏*‏ الا تسعي مثل هذه الموسسات الي ضرب المراكز الحقيقيه للثقافه العربيه وتهميش الادوار لان ذلك لا يمثل خطوره علي هذه المراكز وحدها ولكنه يهدد الكيان الثقافي للامه كلها‏.‏
‏*‏ ان القضيه ليست توفير اموال لاقامه ندوات او حوارات او مسامرات ولكن القضيه كيف نخرج بفكر هذه الامه من كهوف التخلف والسطحيه‏.‏ وان ذلك يتطلب تنسيقا بين اهل المال واهل الفكرواصحاب القرار‏..‏ فلا يمكن ان نطالب بفكر واع‏..‏ وابداع مستنير في ظل مفاهيم تحارب الابداع واساليب من القمع تعادي ابسط قواعد الحريات ولا يمكن ان نطالب بابداع حقيقي في ظل غياب كامل لقضايا الحريه وحقوق الانسان‏..‏ ففي ظل مناخ لا تتوافر فيه عناصر الامن والحريه والاستقرار تصبح فيه مثل هذه الموسسات مجرد لافتات براقه لن تضيف شيئا‏.‏
‏*‏ ان القيمه الحقيقيه لراس المال اذا كان يريد شراكه مع الفكر ان يكون الهدف هو خدمه الفكر وليس خدمه المصالح‏..‏ وخدمه القضايا وليس خدمه الاشخاص ولهذا يجب ان تترجم هذه العلاقه لتوفير منابر اكثر حريه‏..‏ واعلام اكثر عمقا‏..‏ وثقافه اكثر وعيا‏.‏

اننا نعلم الان كيف اصبحت سطوه راس المال في مجالات الفكر والابداع والثقافه‏..‏ ان تجاره المعلومات اليوم من اكثر السلع رواجا‏..‏ وفي امريكا توجد شركات ضخمه تخصصت في المعلومات والانترنت والصحافه والاعلام‏..‏ كما ان انتاج السينما والمسرح والغناء والفنون باختلاف الوانها يحتاج الي راس المال الواعي‏..‏ وهذا النموذج نجده في الدول المتقدمه التي تستخدمه للربح‏..‏ وللرساله الفكريه والثقافيه‏..‏ وللاهداف السلوكيه‏..‏ وللاغراض السياسيه‏..‏ فهل يصل راس المال العربي يوما الي هذا المستوي الحضاري حتي يصبح لديه الوعي لتقديم هذه الرساله‏.‏؟ ان في العواصم العربيه عشرات القنوات الفضائيه ولكنه مال ينقصه الوعي‏..‏ وموسسات ينقصها الهدف‏..‏ وجهد تنقصه الرساله‏..‏ واذا توافرت لديه الرساله فهي فجه وساذجه واحيانا غبيه‏.‏
ان لقاء راس المال مع الفكر والثقافه ضروره عصريه ولكن لا ينبغي ان يكون علي الطريقه العربيه لاننا اعتدنا في العلاقه بين راس المال او السلطه مع الثقافه علي ذهب المعز وسيفه وهذا منطق لا يتناسب ابدا مع عالم يتغير كل دقيقه‏..‏اننا نريد راس المال الذي ياخذ مكانه بجوار الفكر في معركه مصيريه‏.‏

هناك امه مهدده في كل مقوماتها التاريخيه والدينيه والثقافيه والحضاريه وهي تتلقي السهام من كل جانب وعليها ان تصمد وان تدافع بالحجه والمنطق والفكر‏..‏ ولهذا يجب ان تستخدم كل امكاناتها في هذه المواجهه سواء علي مستوي الحوار او الرساله او الوسيله‏..‏ في الحوار نحتاج الي صيغه عصريه نخاطب بها العالم‏..‏ وفي الرساله نحتاج الي فهم لما يجري حولنا‏..‏ وما نملك من امكانات‏..‏ وفي الوسيله يجب الا يسبقنا العصر ونكتشف اننا نركب جملا وفوقنا اسراب من الطائرات ونتوهم اننا سنفوز في السباق‏.‏
‏*‏ لا اتصور ان نبقي دائما في موقف الضعف والعجز والدفاع عن النفس تحت وهم قديم يطاردنا بسبب انبهارنا الاعمي بالاخرين‏..‏ يجب ان تكون لدينا الشجاعه لان نواجه‏..‏ وان نحاور وان نقنع‏..‏ نحن اصحاب ثقافه وتاريخ وحضاره ومن الظلم لنا ان نبقي في كهوف العجز صامتين مغيبين‏..‏ ولهذا يجب ان يعلو صوتنا اولا بيننا وبين انفسنا وان نتكلم في اوطاننا حتي نملك القدره علي ان نتكلم مع الاخرين‏..‏ وهنا تاتي قضايا الحريه والابداع وحقوق الانسان لان فاقد الشيء لا يعطيه‏.‏
‏*‏ لابد من التنسيق في الاهداف والغايات لان الاموال العربيه تتدفق علي محاور كثيره في القنوات الفضائيه والصحف والمجلات والاذاعات وخدمات الانترنت‏..‏ ولانها بلا تخطيط اصبحت بلا هدف‏..‏ وعندما غاب الهدف سقطت الرساله‏..‏ واصبحت مالا ضائعا يتسرب بين السذاجه والسطحيه وقتل الوقت‏..‏ ولهذا يجب ان يكون راس المال علي درجه من الوعي ليصبح صاحب رساله فكريه‏..‏ وان يكون اهل الفكر علي درجه من التجرد والشفافيه حتي لا يسقطوا ضحايا راس المال الاعمي‏.‏
وهنا نقول‏..‏ ان لقاء راس المال والفكر والثقافه ليس مستحيلا خاصه اذا كانت الغايه اكبر من طموح الافراد او اغراض السياسه او متاهات المصالح‏..‏ ولهذا يجب ان تكون العلاقه عطاء متبادلا بين الفكر والمال‏,‏ ولهذا لا يعقل ان تكون هناك موسسات للفكر بلا مفكرين او ان يكون الهدف مجرد اقامه مهرجانات او ندوات او مناقشات لان قضايا الامه اكبر بكثير من ان نواجهها ببضعه ملايين يتبرع بها رجال الاعمال او ندوه تلتف حولها مواكب المثقفين‏..‏ نحن في حاجه الي راس مال يفكر‏..‏ ومفكرين لا يغريهم بريق المال ووهجه الزائف‏.‏


http://www.ahram.org.eg/archive/Index.asp